العصور المظلمة

بسم الله الرحمن الرحيم

طالما شبه الباحثون الإنترنت بالمسميات الفلكية تعبيراً عن مدى عظم حجم البيانات والمعلومات الرقمية الموجودة حلياً باﻹضافة إلى شدة إتساعة وتمدده بمعدﻻت خارقة ﻻ تبدو لها نهاية.

وقد عادوا لهذا التشبيه مرة أخرى مطلقين تعبير العصور الرقمية المظلمة! وهى مشكلة تواجه العالم هذه الايام ومن المتوقع زيادة حجمها؟؟

العصور المظلمة من وجهة نظر الفلكيين هى الحقبة الزمنية التى شهدها الكون فى فترة ميلاده ونشأته اﻷولى وجرت خلالها مليارات من الحوادث والوقائع المختلفة حجماً ونوعاًوكان لها دوراً فى كبيراً فى تشكيل الكون على الصورة التى هو عليه اليوم، لكنها تبدو اﻵن كمناطق مظلمة شديدة السواد من فرط ما فيها من غموض وانعدام المعرفة بما يجرى فيها.

فى المقابل يرى علماء المعلوماتية أن قسماً كبيراً مما يملكه العالم اﻵن من معلومات وبيانات تم تخزينها فى صورة رقمية تحولت بمضى الزمن إلى كتل سوداء غامضة ﻻ يمكن فك طلاسمها فتصبح فى حكم المعدومة ، ومع تراكم هذه الكتل الضخمة من البيانات والمعلومات غير المقروءة تتشكل من سنة ﻵخرى ومن عقد ﻷخر حقب زمنية مظلمة معلوماتياً …

من الجهات المهتمة بظاهرة العصور المظلمة فريق من الباحثين بجامعة إلينوى اﻷمريكية متخصص فى مجال الأرشفة والمكتبات الرقمية وإدارة قواعد البيانات التاريخية، وحسب ما يراه هذا الفريق فإن تباشير العصور الرقمية المظلمة قد بدأت بالفعل، فطبقاً لموقع اﻷرشيف القومى الأمريكى فإنه بحلول منتصف السبعينيات كان هناك ماكينتان فقط  يمكنهما قراءة البيانات الخاصة بتعداد سكان الولايات المتحدة الذى أجرى عام 1960 ، الأول فى اليابان واﻵخر فى معهد سميثونيان، كما ان بعض البيانات المجمعة من وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عن هبوط المركبة فيكنج عام 1976 على سطح المريخ أصبحت غير مقروءة وفقدت للأبد، وهذه مجرد أمثلة.

وعند مناقشتهم فى الأمر يقول هؤلاء الباحثون : ما الذى لدية فرصة أفضل ليظل حياً بعد 50 عاماً من اﻵن، هل صورة فوتوغرافية موضوعة فى إطار أم صورة رقمية مخزنة على حاسوبك؟؟

الصورة الفوتوغرافية قد تبهت وتميل للإصفرار، أما الصورة الرقمية فلربما ﻻ تكون مقروءة كلية على حاسبات المستقبل. وهذة إحدى النتائج غير المقصودة لحركة الرقمنة السريعة التى تسود العالم الأن.

ومبعث القلق لدى خبراء وعلماء المعلوماتية وتكنولوجيا المعلومات واﻷرشيفيين يتمثل فى ثلاثة أشياء:

– اﻷول التغيير المستمر والمتلاحق فى نظم التشغيل المستخدمة فى الحاسبات على إختلاف أنواعها، وأيضاً أنواع  التغيير المستمرة فى أنماط تخزين البيانات والمعلومات على وسائط التخزين الرقمية، ما بين ملفات PDF و نصوص ووثائق وصور وغيرها، وكذلك التغير السريع فى التطبيقات والبرامج المستخدمة فى إدارة والتعامل مع المعلومات.والنتيجة المتوقعة لذلك أن اجزاء كبيرة من بيانات اليوم يمكن أن تكون ثقب أسود بعد بضعة سنوات اسمه عدم القدرة على القراءة والعرض.

لكى نتخيل ذلك حاول أن تسأل نفسك متى كانت أخر مرة حاولت أن تفتح فيها ملف محفوظ ببرنامج وورد برفيكت؟ أو قراءة بيانات محفوظة على قرص مرن مقاس 8 بوصة؟

بالتأكيد ستعانى الأمرين حتى تستطيع قراءة هذه الملفات أو الحصول على ما بها من معلومات،ويمكننا ان نقيس هذا على مليارات الميجات التى تم توليدها فى قواعد البيانات قديمة وبرمجيات وتطبيقات عتيقة داخل عشرات اﻵﻻف من المؤسسات والهيئات حول العالم.

-الثانى عمليات الرقمنة واسعة النطاق وعميقة المستوى التى تتغلغل فى كل شئ لتحول أى بيان أو معلومة من صورتها التقليدية فى ورق أو غيره إلى صورة رقمية، فمن المنظور الثقافى هناك حجم مهول من المحتوى الرقمى إما يتم تحويله إلى شكل رقمى أو يصدر أساساً فى صورة رقمية فقط،ولتتخيل حجم هذا التحول اسوق لك إحصائية واحدة تقول أن 369 إكزابيت من البيانات ذات القيمة العالية ، كالسجلات الإلكترونية وملفات الضرائب وما إلى ذلك… ومن مقدمتها فقد أرشيف البريد الإلكترونى الخاص بالبيت الأبيض فى الفترة التى سبقت الحرب على العراق.

– الثالث الحقوق التى تمنها قوانين الملكية الفكرية وحماية حقوق التأليف والنشر لشركات البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات، والتى تجعل الشركات تضع إجراءات فنية وتأمينية على البرامج والتكنولوجيات واﻷدوات المحمية بموجب هذه القوانين، ثم تشكل قيداً بعد ذلك على سهولة الوصول إلى المعلومات، ولنا ان نتصور مثلاً ما الذى سيحدث لو استيقظنا ات يوم وجدنا أن مايكروسوفت قد ألغت الأنمالط التى تخزن الملفات المستخدمة فى حزمة برمجيات أوفيس أو أن اوراكل قد احدثت تغييرا جوهريا على طريقة قراءة وعرض البيانات يعوق استخلاص المعلومات الموضوعة فى الإصدارات القديمة من برنامج قواعد البيانات التى تنتجها.

إن هذه سنريوهات مربعة للملايين من مستخدمى البرمجيات حول العالم، وقد وصف أحد أعضاء فريق جامعة إلينوى هذا الأمر بأن البرمجيات الخاضعة لقوانين الملكية الفكرية-البرمجيات مغلقة المصدر- سوف تجعل المستخدمين “سجناء محتملين” للشركات المنتجة للبرامج والتطبيقات عند مواجهة ظاهرة العصور المظلمة الرقمية.

نحن إذن امام ثلاث عوامل قوية لدخول عصور مظلمة رقمية بدون عملية ناجعة لتفادى مثل هذا المصير، وحتى فريق إلينو الذى دق ناقوس الخطر بشأنها إكتفى بقول :”تتطلب معرفة أفضل بطرق تضمن الحفاظ على البيانات ذات القيمة حية ويسهل الوصول إليها بإستخدام واستنباط طرق لجعل البرمجيات القديمة تعمل على النظم التحتية القائمة بإستخدام برمجيات وأنماط تخزين ملفات مفتوحة المصدروتوليد بيانات مستقلة عن وسائط التخزين -أى يمكن قراءتها بسهولة بغض النظر عن وسيط التخزين الموجودة عليه- مع الاعتماد على المعايير المفتوحة والبرمجيات مفتوحة المصدر”.

وضع كهذا يتطلب إجراءات مضادة على المستوى الشخصى والمؤسسى محلياً وعالميا، ﻷنه من العبث أن نستثمر بقوة فى عمليات رقمنة وتحولات ضخمة صوب مجتمع المعلومات ثم نتجاهل خطر الوقوع فى ثقب اسود معلوماتى ينو مع الوقت وحادث ﻻ محالة بصورة أو بأخرى، ةأبسط الإجراءات أن تحفظ وثائقك بصيغة محايدة TXT، اما الصور فاختر لها اكثر انماط التخزين إنتشاراً واطولها عمراً، حتى تظهر الأدوات تمنع سقوط معلوماتك فى ثقب أسود.

المصدر: مجلة لغة العصر أ/جمال الدين غيطاس

One Response to العصور المظلمة

  1. تنبيه: نبش قبور الماضى « T3CH C0D3

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: