إلى بائعة الجرائد

إلى السيدة/بائعة الجرائد,

تحية طبية وبعد،،

كثير ما أسأل نفسى لماذا بعد هذا السن الكبير وقد تجاوزت السبعين لازلتي مصرة على الجلوس في الشارع فى البرد والحر لبيع هذه الأوراق البالية، عمليا لا يطول إهتمام الناس بها أكثر من يوم واحد وبعد ذلك يصبح مصير هذه الأوراق إما الأكل عليها أو حتى مسح مرايا الحمام! ولكنك لازلت تهتمين بها. لا يمكنني القول بأن اهتمامك بالثقافة هو ما دفعك لهذا. يمكن اهتمامك بالحفاظ على ماء وجهك هو ما دفعك لتعفف سؤال الناس. وأيا كان السبب يجب أن أخبرك  بكم الارتياح الذي أشعر به من ابتسامتك عندما تخرجين لي الجريدة التي أريدها دون أن أتحدث وأنت تقولين بصوتك الضعيف العذب “صباح الخير”.

ولكنى أعتب عليك أشد العتاب يا سيدتي. فقد خدعتيني مرات عديدة، كل يوم أقع في نفس الخدعة وأنا أخذ منك الجريدة وأخدع بنظراتك الأمومية إلى أن ألتفت وأسير خطوات وابدأ بقراءة عناوين المقالات. ابتسامتك الطبية لا تتناسب أبدا مع ما كتب على الأوراق البالية من حوادث ومعارك دامية وقتلى وجرحى وسرقات. ويديك الضعيفتين لا يمكنهم أبدا تحمل (تسونامي) أو حتى (صخرة الدويقة)! وصوتك المتهدج لا يمكنه النطق بالمعارك الأدبية خرجت عن إطار الأدب، وسريرتك النقية والتي أزادها الزمان سكينة وطمأنينة لا تتحمل تصفيات حسابات الساسة وأصحاب الكراسي. حالك هو مثال حي لأحوال الرعية التي تبكى وجرائدك هو مثال صارخ أحوال الحكام التي تفزع. كل هذا وأنت على حالك بين الابتسام والعبارة الوحيدة التي سمعتها منك “صباح الخير”.

سيدتي، اسمحي لي أن أقدم لك نصيحة أو يمكنك أن تعتبريها طلب ورجاء. أرجو أن تقليدي زوجك (العجوز أيضا) والذي  يمتلك من الابتسام العذب القدر الكافي ليصبرنا على ما تحويه جرائده من مصائب!
أو يمكنك أن تدخري  ابتسامتك للساسة والصحفيون والكتاب ولاعبي السيرك لعلهم يرحمونا من عبثهم ..
سيدتي، لا أحملك مطلقاً مسؤولية ما تحويه جرائدك، فأنت أطهر من ذلك. ولكنى أحمل نفسى مسؤولية أن أسأت لعمرك الطويل وربطه بهذه الأرواق والكلمات .. فأعذريني لذلك وتقبلي نصيحتي ..

أعانكِ الله وحماكِ ..

مؤمن.

7 Responses to إلى بائعة الجرائد

  1. Zainab قال:

    عندي امرأة مشابهه لبائعة الجرائد ولكنها تبيع الفول .. ولا زالت الى الان تقف على ناصية الشارع ولازالت بنفس الابتسامه … أعي اني أول ما رأيتها كان من 15 سنه … وهي تستقبل كل من هو ذاهب للعمل لتحضر له الفطور على الطريقه المصريه … وتتمنى له يوما جيدا … وتدعي له بالتوفيق

  2. عفاف محمد قال:

    لعكس بنسبة لبائعة الجرائد التى أطل عليها كل صباح ..
    نفسي أشوف ابتسامتها !!!

    أما من يشبه ما جاء هنا من الوصف .. فهو عم سعيد .. سائق ” الميكروباص ” .. الذي أسعــــــد بابتســـامته كل صبـــــــاح ..
    ذكر عندي في مطلع خاطره قديمة اسمها :
    Robot can .. only can !!

    • T3ch C0d3 قال:

      بالتأكيد بائعة الجرائد هذه تقرء جرائدها كل صباح قبل بيعها لهذا لا تستطيع المحافظة على إبتسامتها🙂

      +
      أرجو أن نقرء هذه الخاطرة قريباً ؟!

  3. tulipsground قال:

    وكأنك تصف عاملة التنظيف في مكتبة الجامعة , يا إلهي الذي امدها بتلك القوة , لم يبقى بها شيء ولكنها تصر على العمل بين أرفف الكتب ,

    شكرا أعجبني حقا أسلوبك في الكتابة بل أشكر الله أنني بدأت نهاري بكتابة تفتح النفس وقريبة الى قلبي
    شكرا جزيلا …..

  4. تنبيه: الى بائعة الجرائد ! « بــولـيـتـيــكا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: