مناضل امام صندوق الانتخاب | قصة قصيرة من تأليفي

مانديلا في السجن

تأكدت من تلميع حذائي الجديد لثالث مرة هذا اليوم قبل خروجي، لست علي ميعاد مع احد مهم، لكني علي موعد مع الصندوق الذي اشتقت له! بعد ثلاثمائة عام من النضال أخيراً حصلنا (نحن زنوج جنوب إفريقيا) علي حق المواطنة الكاملة. أخيراً، اصبح لنا حق التصويت في الانتخابات، حق التواجد في أي مكان أو العمل في أي وظفيه، وحق التملك والعمل الحر. حق التنقل من مكان لآخر بدون تصريح مرور. باختصار، حصلنا علي اعتراف باننا بشر! واليوم 27 أبريل 1994 هو اول انتخابات برلمانية حرة يترشح فيها زنوج ويصوت فيها الزنوج أيضاً. وهي اول مرة سأقوم بها بالتصويت في حياتي.

قبل هذا اليوم كان الزنوج بشر من الدرج الثالثة، والملونون مواطنين من الدرجة الثانية، بينما البيض هم السادة من الدرجة الأولي. كان نظام التعليم يعلم الأطفال السود إن الرجل الأسود غير قادر علي حكم أو إعالة نفسه. كان تاريخ أفريقيا يبدأ ويبدأ فقط مع نزول الرجل الأبيض إلي ارض إفريقيا، وقبل ذلك كان السود مجموعة من العراة المتصارعين بلا هدف ولا سبب ولا حضارة ولا هوية. اول ما يقومون به للطفل هو تغيير اسمه الإفريقي، ليعطوه اسم انجليزي أنيق يعيش به بقية حياته. بعض الحكماء والشعراء كانوا يدركون حقيقة ما يحدث من مسخ للهوية فكانوا يحكون لأهلهم من السود في قصصهم وقصائدهم تاريخهم الحقيقي، تاريخ ما قبل وصول الرجل الأبيض!

ولكن هذا لم يشكل فارقاً، لم يكن من حق الرجل الأسود الالتحاق بكل الجامعات. ولم يكن مرحب به جداً في الجامعات التي يسمح له بالالتحاق بهم. لذا ظل الرجل الأسود فقيراً ضعيفاً ذليلاً ما لم يكن من نسل ملكي يضمن له بعض المكانة بين السود داخل إقليمه والقليل من الاحترام من باقي القبائل. لم يستطيع إثبات انه قادر علي التعلم والعمل كالأبيض، فترسخت الفكرة اكثر لديه.

قناعة الرجل الأسود والرجل الأبيض أصبحت واحدة تقريباً. كلاهما يؤمن بان الأبيض هو القادر علي القيادة والتفكير. والرجل الأسود خلق ليكون قوة عضلية لا اكثر ولا اقل. في ظل هذا كله، ولد مناضلين سود! ولدوا في مستشفي خاصة بالسود ليسكنوا في حي للسود فقط، ويلتحقوا بمدرسة للسود فقط. قد يسعده الحظ بان يلتحق بإحدى جامعات السود. ليحصل في النهاية علي وظيفة للسود فقط. يتزوج ويسكن وينجب في حي للسود فقط. مع كل هذا، خرج منهم المناضلين، يناضلون من اجل حقهم وأهلهم وقومهم في الحياة الكريمة لا مبالين بالمخاطر والعوائق، تعرفوا علي هويتهم الحقيقية، وعلي قدرتهم علي العمل كطيارين، كما يمكنهم العمل بالمحاماة وكقضاة و .. بإمكانهم تقرير مصيرهم أيضاً. من اجل هذا ناضلوا طوال حياتهم، منهم من لم يري حلمه يتحقق ومنهم من حمل السلاح من اجل حريته ومات وهو يحمله، ومنهم من سجن نصف عمره. إلي أن وجدوا أو أبناءهم حلمهم شاخص أمامهم.

هذا ما كان يتردد في خاطري وأنا في الشارع؛ في طريقي للإدلاء بصوتي في الانتخابات، سأقوم بالتصويت لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي لأنهم اكثر حزب له برنامج وفكر لا عنصري يضم كل سكان جنوب إفريقيا بدون إقصاء علي عكس حزب المؤتمر القومي الإفريقي الذي يحمل بعض الأفكار التمييزية للسود. كثير من الأحزاب أمامي، ونحن نعيش في عصر ديمقراطي الأن، وعلينا أن نقبل آراء بعضنا البعض اياً كان الرأي الآخر. كل ما علي هو الدخول إلي اللجنة والحصول علي استمارة التصويت العملاقة، ووضع علامة الضرب (X) أمام ذلك الشاب الوسيم، وانتهي الأمر. إنها ابسط مهمة وطنية قمت بها من يوم مولدي! فقد انتهي للأبد زمن الإضرابات وحملات التحدي والاعتقالات والتعرض لسخافات الشرطة ولرصاصهم الحي أيضاً!

في الطريق إلي اللجنة قابلت احد أقربائي الذين لم أقابلهم منذ حفل البلوغ (الختان الجماعي) لأبناء القبيلة عندما كنّا في سن 16. حيث هربت من القبيلة لأنهم حاولوا إجباري علي الزواج، ولم تكن من أحلامي في ذلك الوقت أن استقر وأتزوج في هذا المكان بل كنت احلم بالسفر إلي جوهانسبيرج للعمل هناك. سلمت عليه بود حقيقي وسألته لمن ستصوت في الانتخابات. وبهت لإجابته!

سيصوت لحزب “أفريكانا فولكسفرونت”، هذا الحزب اليميني المتطرف الذي يؤمن بان الرجل الأبيض هو وهو فقط مَن مِن حقه الحياة وباقي البشر أما أن يعيشوا عبيد أو يدفنون أحياء!! هذا البرلمان هو من سيضع الدستور الذي سيرسم مستقبل جنوب أفريقيا، كيف له أن يضعه حزب متطرف كهذا!!؟ هذا الحزب كان من ضمن المنظومة التي نصارعها من ثلاثة قرون، صحيح انه لم يكن الحزب الحاكم في الخمسون عاماً الأخيرة، ولكنه كان مشارك في البرلمان، ومشارك في صنع القرار، وموقفه العنصري واضح جداً! كيف يفكر هذا القريب الذي جلب لنا العار! أخذ يتحدث بلا منطقية وكلام فارغ، لم استخرج منهم إلا كونه مؤمن بعدم أحقية الأسود من حكم نفسه لانه مضاد لإرادة الله في خلقه!

وهنا تعارك في صدري أمران، نحن في عصر ديمقراطي ومن حق كل شخص أن يختار من يشاء حسب قناعاته وأفكاره. والأمر الآخر هو أن ما بقي من ذراعي الأيمن (الذي قطع بسبب قربي من انفجار تلك القنبلة التي كنت ازرعها وقت التحاقي بجماعة الـ (امكا) المسلحة للنضال من اجل حقوق السود) اصبح يؤلمني كثيراً. اكثر من أن احتمل وجعه. هذا الشخص يريد قطع يدي الأخري وقدماي أيضاً.

حتي حزب انكاثا الذي شنّ حرب عصابات ضد أنصار حزب المؤتمر الوطني الإفريقي وقام بالأربعة مذابح البشعة ضدهم في إقليم ناتال تحت حماية الشرطة والجيش، لم تصل درجة كرهي له ولأنصاره مثلما تصل درجة كرهي لشخص يعاديني بسبب لوني ولا يؤمن بحقي في الحياة فضلاً عن الحياة الكريمة.

يا لك من وغد ضعيف جبان، لقد فقدت ذراعي وكدت أن افقد حياتي من أجلك، وانت تنتخب عدونا وقاتلي مرة أخري.
ولكنها الديمقراطية يا صديقي، ويمكن لقريبي هذا انت ينتخب القاتل طالما انه مؤمن بان القتل حلال أو أن لا مفر من القتل، أو أي فكرة غير سوية أخري !!

هل هذه هي الديمقراطية التي ناضلت من اجلها؟ حق سفك الدماء والتعذيب بالقانون؟ هل يستفتي علي قتل البشر هذه الأيام !!؟ هل المسألة مسألة سياسية حقاً تتعلق بالدستور والقانون أم أنها مسألة أخلاقية؟
لو أنها مسألة أخلاقية، لم لم يتم حلّ هذا الحزب والقبض علي كل أعضاءه، من الممكن لأن الحزب الحاكم إلي اليوم هو الحزب الوطني، ذلك الحزب العنصري الذي أهلكنا منذ نصف قرن بالمزيد والمزيد من القوانين العنصرية وإثارة الفتن، لذا لم يقبض علي شريكه في الفساد والقتل!
وماذا عن القضاء البيض (والبيض فقط)؟ لِم لَم يحرك احدهم ساكناً؟ ألأن معظم القضاة أعضاء في الحزب الوطني في الأساس؟ ولكن بعضهم مستقل ويشتهر بالنزاهة؟ هل قوانين وضعت علي مدار 300 عام تعجزهم إلي هذه الدرجة !!؟

قلت لقريبي بلهجة صارمة والشرر المنطلق من عيناي يكاد يحرقه: “دهور من الصمت، وتريدون اليوم الانتقال من حي السود المظلم الكئيب إلي القبور. حسناً لتذهبوا إليها بأرجلكم وتتمتعوا بحقكم في اختيار قبر المناسب، بدلاً من أن تحظي بقبر جماعي علي يد الظالم الذي ستقوم بالتصويت له.”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: